top of page
  • Twitter
  • Facebook
بحث

الفَصلُ الأَوَّلُ: لِقاءٌ فِي غابَةِ أَنجِلينا.

  • صورة الكاتب: Šhîžô Ķăťôöb
    Šhîžô Ķăťôöb
  • 25 فبراير 2024
  • 8 دقيقة قراءة




الفَصلُ الأَوَّلُ: لِقاءٌ فِي غابَةِ أَنجِلينا.


• السابع من نوفمبر، عام ألفان وَإثنان وَعشرون، الثالثة بعد الظهر.


أَنهتْ ليا ما عليها مِن عملٍ متوجِّهة لِلسيِّدةِ باركر، نظرتْ متأمِّلةٌ لِـوضعها وَهي تضع قطَّتها ذات الفراء الرماديِّ ذاتَ اسم جيزل علىٰ قدميها مُمسِّدةً علىٰ ظَهرها من دونِ أَنْ تنظر لها وَذلكَ بِـحكم الكتاب القابع في يدها الأُخرىٰ. تقرأُ بِـتركيز كَـعادتها المعتادة، نظَّفتْ ليا جوفَ فَمها بينما هي باحثة عن طريقة تُحدِّثُ بها السيِّدة باركر دونَ إِفساد وضعها. بعد محاولات قليلة بينها وَبين عقلها تَحدَّثتْ بِـنبرةٍ متوسِّطةِ الارتفاع بِـشيءٍ من اللطفِ


- «كيفَ حالكِ اليوم سيِّدة باركر؟»


نظرتْ السيِّدة باركر تجاهَها لِـتبتسمَ ابتسامة صغيرة إِلا أَنَّها كافية لِإِظهار تلكَ الزينةِ الجميلةِ علىٰ خديِّها -غمازتيها- مع التجاعيد المتوسِّطة تَبدو كَـما لو أَنَّها إِحدىٰ العجائزُ الطيبات من القصص الخيالية، عيناها سوداء مع شعرٍ قد تلوَّن بِـالأَبيض بِـالكامل إِضافةً لِلون بشرتها المشابه لِلحليب، عجوز قصص الأَطفال اللطيفة تمامًا. قالتْ السيِّدة باركر بِـصوتٍ مٌنخفضٍ مع ابتسامةٍ مُشرقَةٍ كَـشمسِ الصيف.


- «أَفضل من ذي أَمس، شكرًا علىٰ سؤالكِ.» ابتسمتْ لها ليا الشابةُ محدِّثةً إِياها بِـشيءٍ من البهجةِ.


- «إِنَّ هذا رائع فعلًا.»


بعد أَن قالتْ ليا هذه الكلمات وجدتْ نفسها فارغةً من الكلامِ، ليس لديها شيءٌ تَتحدَّثُ عنه. نظرتْ من النافذة لِلخارج نظرةً متأمِّلةً، بدأ شعور افتقاد الخروج لديها يَكبر شيئًا فَـشيئًا، لَم تَخرج منذُ فترة، بِـالأَحرىٰ منذُ أَنْ تاهتْ في الغابة. قطع شرودها صوتُ السيِّدةِ باركر وَهي متسائلةً بينما نظرها لا يُفارقُ الكتابَ.


- «متىٰ كانَتْ آخر مرَّة خرجتِ بِـها؟»


وَجَّهتْ ليا كاملَ نظرها لِلسيِّدةِ باركر مُجيبةً إِياها بِـضياعٍ تامٍ بينما عيناها لا تُفارقان النافذةِ.


- «قَبل ثلاث أَسابيع، لا أَعلم كيفَ تُهتُ في الغابة.»


ما أَن أَنهت كلامَها إِذ بِـها تُنزلُ نظرها لِلأَرض بينَما في عقلها الكثير، أُمورٌ غريبةٌ تَحصل معها. أَخرجها من شرودها صوت السيِّدة باركر وَهي متحدِّثة مبتسمة مستبشرة بينما تُحرِّرُ الكتاب من أَنظارِها واضِعةً إِياه علىٰ جَنبٍ.


- «اخرجي قليلًا، استمتِعِ بِـوقتكِ في الغابة وَلكن لا تتأخري. وَإِنْ تُهتي لَن تكونَ المرَّة الأُولىٰ!»


نظرتْ لها ليا نظرة حنونة، كم تَتمنىٰ لو أَنَّ لها جدَّةٌ لطيفةٌ مِثلُها. نهضتْ ليا مع ابتسامةٍ وَنشاطٍ كَبيرٍ فَـقد احتاجَتْ هذا الكلامُ من دونِ أَنْ تُدرك أَنَّها بِـحاجةٍ لهُ، قالتْ شاكرةً لها بِـنبرةٍ ودودَةٍ.


- «شكرًا علىٰ كُلِّ شيءٍ، سَـأَذهب!»


أَومئتْ لها السيِّدةُ باركر بِـمعنىٰ الموافقةِ، قبلتْ ليا جبينها وَانطلقتْ مُتجهةً لِـغرفتها تاركةً السيِّدةَ باركر مُبتسمةً بِـشدَّةٍ، تلكَ الأَفعال البسيطةُ الغير مكلفة تُسعد كبار السنِ دائمًا.


لَـقد كانتْ ليا تَعمل في منزلِ عائلةِ باركر بِـشكلٍ متقطِّعٍ كَـربَّةِ منزل مقابل أَجرٍ مقبولٍ، لكن بِـفعل تدهور صحةِ السيِّدةِ باركر قد انتقلتْ لِلعيشِ عندهم بِـشكلٍ مؤقَّتٍ. ليا يتيمةٌ قد غادرتْ الملجئ بعدَ بلوغها قد آلتْ بِـها الأَحوال لِـهذا العمل إِلا أَنَّهُ أَفضلُ لها بِـكثيرٍ من غيرهِ فَـعائلةُ باركر عائلةٌ جيِّدةٌ محسنةٌ لها.


ما أَنْ دَخلتْ ليا غُرفَتها المَخصصةُ لها في منزلِ عائلةِ باركر اتَّجهتْ أَوَّلًا إِلىٰ آلة التصوير واضعةً إِياها في حقيبة ظهرها المعتادة، كانتْ تُصوِّر المناظر الَّتي حولها في العادة لكن مؤخَّرًا بدأتْ تُصوِّر نفسها كُلَّما أَفاقتْ من حالةِ شرودٍ غيّر مُبررةٍ.


ارتدتْ الشابةُ سترة بِـسبب حكم الطقس، فَـهم في نوفمبر. وضعتْ هاتفها النقال في جيب سترتها، نزلتْ السلالم مسرعةً نحوَّ المطبخ لِآخذ بعض التوت وَالفراولة معها، ما هذا سوىٰ تجسيدٌ مبسَّطٌ من كرم عائلة باركر معها.


ذهبتْ لِـغرفةِ المعيشةِ بغيةِ توديع السيِّدةِ باركر إِلا أَنَّها قد تركتْ المكان خاويًا، خطرَ بِـبال ليا أَنَّهُ لا بدَّ من أَنَّها في غرفتها. أَخرجتْ هاتفها متصلِّةً علىٰ هاتفِ العَجوزِ اللطيفةِ بينَما تُقفل باب المنزل بعد خروجها لِـتسمع ردَّها عَبر الهاتف قائلةً بِـنبرتها الحنونةِ المعتادةِ.


- «ليسَ عليكِ أَنْ تودِّعيني في كُلِّ مرَّةٍ، استمتعِ بِـوقتكِ!»


ابتسمتْ ليا علىٰ لطافةِ تعاملها، أَعلنتْ ردَّها قائلةً بِـصوتٍ بَشوشٍ قد باتَتْ السعادة واضحة عليه.


- «شكرًا علىٰ كُلَّ شيءٍ، أَراكِ مساءً!»


رغم عدم رؤيةِ ليا لِلسيِّدةِ باركر لكنَّها متأكدةٌ من أَنَّها تبتسم، لَـطالما كانَتْ السيِّدةُ باركر ذاتَ الابتسامة الدائمة. ودعتها لِـتنهي المكالمة. أَعادتْ هاتفها إِلىٰ مكانه متجاهلة كُلَّ شيءٍ قاطعة الطريق من خلف البيت عبر طريقٍ مختصر. بِـرأيِّها الغوغل أَحيانًا يكون شديد الغباء، وَهو كَـذلكَ! يعطي طريق يستغرق ثلاث ساعات لكنَّه مخصَّص لِلسيارات بينَما يغفل عن الطريق المختصر.


في العادة تَصلُ ليا إِلىٰ وجهتها خلالَ وقتٍ لا يتعدىٰ الساعة، لديها قدرةٌ علىٰ السير بِـشكلٍ رائع فَـهي رياضيَّةٌ من أَيامِ الملجئ.

سارتْ تلكَ الشابةُ تجاه الغابة وَكأنَّ كَلَّ شيءٍ طبيعي، ما أَنْ تعدَّتْ حدود الغابة إِذ بِـها تسرح في جمالها. اتجهتْ لِلنهر متأملةً جمالهُ، إِنَّهُ خلاب الجمال! صوت المياه كَـما لو أَنَّهُا عرضٌ موسيقي لِأَحد أَفضل عازفي نيو أُورلينز، امتزاجها مع الطبيعة من حولها رائع جدًا إِلا أَنَّها قد إِمتزجتْ أَكثر من اللازم!


ها هي تخرج عن وعيها سائرةً نحوَّ وسطِ الغابة، كادَ الظلام أَنْ يخيِّم علىٰ الأَجواء إِذ بِـها تستفيق من سيرِها الطويل الَّذي دام ساعات. تَنهَّدتْ بِـعمقٍ شديدٍ، دعكتْ وجهها بِـيديها محاولة الفهم. أَخرجتْ آلة التصوير من حقيبتها متنهِّدة متسائلة لِمَ يحصل هذا معها بِـكثرة؟ ضغطتْ علىٰ زرِّ التَشغيلِ وَثبَّتتْ آلة التصوير علىٰ أَحَد جذوع الأَشجار المقصوصة، ضغطتْ علىٰ زرِّ بدإِ التسجيل لِـتتنهَّد قائلةً:


- «مرحبًا مجدَّدًا، لا أَعلم ماذا يحصل في حياتي. كُلُّ شيءٍ غريب وَمعَّقد! لديَّ انجذاب تجاه أَشياء غريبة وَمختلفة، أَتواجد في أَماكن لا أَذكرُ إِنَّني قَد قصدتها، أَسيرُ لِـساعات دونَ وعٍ! ها أَنا في مكانٍ مجهولٍ وسط الغابة وَسَيحلُّ الظلام قريبًا. إِنْ رأيتَ هذا التسجيل فَـذلك يعني أَنَّكَ قد رأيتَ ما هو قبله، هذا يعني أَنَّكَ تعلَّم كُلَّ ما تحتاجه عنّي، وَهذا يعني أَنَّ ما تبقى منّي هو جثمان.»


أَنهتْ التسجيل كَـما بدأتهُ واضعة آلة التصوير في الحقيبةِ كَـما كانتْ عليهِ قبل دقائِق، تنهدتْ مجدَّدًا مخرجة هاتفها من جيبها لِـتتفقَّد الإِرسال وَالشبكات، لا تغطية وَلا شبكات محيطة.


كُلُّ ما يدور في عقلها هو «كيفَ سَـأَعود؟» أَعادتْ هاتفها إِلىٰ جيب سُترتها. لَـقد تعمَّقتْ من دونِ شعورٍ مراتٍ عدَّةٍ لكن هذه أَوَّل مرَّةٍ تتعمَّق بِـهذا العمقِ، تشعر أَنَّها تائهةٌ في جزيرةٍ مجهولةٍ وَليس غابة أَنجلينا. كانَتْ علىٰ وشكِ أَنْ تسير بِـإِحدىٰ الاِتجاهاتِ العشوائيَّةِ لولا صوت أَحَّدهم قائِلًا:


ـ «من أَنتِ، وَما الَّذِي تفعلينَهُ هنا؟»


ما أَنْ استدارتْ نظرَ لِـملامِحها نَظرة استغرابٍ، رغمَ الظلام الَّذي شابه التخييم علىٰ المكان إِلا أَنَّ لون شعرها وَعينيها كانا بارزين. كَـلون لحاء الشجر من حوله، كَـما لو أَنَّها ولدت لِـتعيش في هذه الغابة! نظرتْ تجاهه نظرة يعلوها القلق، حاولتْ جاهدة أَنْ تتكلَّم بِـنبرة قوية قولًا جيِّدًا، ها هي ذي ناطقةً بِـتساؤلٍ واضحٍ.


- «لستُ سوىٰ فتاة تائِهة في الغابة، ما الَّذي قد يريده شخص مثلكَ منّي؟» أَنهتْ كلامها حامدةً خالقها أَنَّ نبرتها كانتْ وفقَ ما تريد، نَظر نظرةً فاحصةً لها من الأَسفل لِلأَعلىٰ لِـيقولَ بِـهدوءٍ مخالط لِلبرودِ.


- «لا أُريد شيئًا غيَّر أَنْ تغادري الغابة بِـأَسرع وقتٍ ممكن.»


نَظرتْ لهُ قليلًا بِـحيرةٍ، شَعره كَـشعرها بِـاللونِ فَـكليهما من ذوي الشعر البنيِّ. أَما عينيه فَـهما زُمرديَّتان مائلتانِ لِلأَزرقِ إِضافة إِلىٰ هالاتٍ سوداء حول عينيه تجعله يبدو كَـشخصٍ خطير، وَرُبَّما هو كَـذلك! قامته طويلة قد ناهزتْ مئةُ وَخمسٍ وَثمانون تقريبًا، ملابسهُ سوداء بِـالكامل. قالتْ بِـنبرةٍ تطابِقُ نبرته بِـالهدوءِ.


- «أَودُّ ذلكَ فعلًا، هنا مشكلتي. لا أَعلم أَيُّ طريقٍ أَسلك.»


ما أَن أَكملتْ كلامها أَعطته ظهرها باغيَّةً الرحيلَّ إِذ بِهِ بِـثوانٍ معدودةٍ يظهر أَمامها! تجمَّدتْ أَطرافها بينَما نبضُها أَخذ ارتفاعًا، عيناهُ محاطة بِـشرايين صَغيرةٍ بارزةٍ تصل لِـمنتصفِ وجنتيه ذاتَ لون رماديٍّ، أَما مقلتيه فَـقد تحوَّل بياضها لِـلون الدَّم وَزمرديَّتيه قد برزتا كَـالزمرد وسط الدماء، فضلًا عن ذلكَ أَنيابه الطويلة البارزة. اختفى كُلُّ هذا بِـطرفة عينٍ إِذ بِه يعودُ لِـشكله كَـما كانَ قبل إِلتفاتها، نظرَ وسط عيناها هامسًا بِـصوت أَجشٍّ بينَما بؤبؤ عينيه أَخذ اتِّساعا.


- «لَم تلتقِ بيَّ، لَم تريني، الآن غادري الغابة كَـما دخلتِها.»


اتَّسعَ كِلا بؤبؤيها من الدهشةِ الناتجةِ عن كلامهِ بينَما أَطرافها بدأتْ تَرتعش، استجمعتْ كُلُّ ما لديها من جُرأة قائلةً كلمتها مغلِّفةً إِياها بِـالصدمةِ الَّتي تُخفي الخوف خلفها.


- «ماذا!»


نظرَ لَها نظرة صدمةٍ بِـدوره أَيضًا، ما أَنْ أَدركَ الأَمر تكلَّم علىٰ الفورِ قائلًا:


- «مجوهراتكِ، هاتيها. - لبثتْ تَنظر لَهُ بِـصدمةٍ إِذ بِه يُردف بِـحدَّةٍ- جميعها!»


كانتْ ليا لا تزالُ في صدمتها مِمّا رأَتْ، عروقٌ وَعيون حمراء وَأَنياب! حدَّثها مُجدَّدًا بِـحدَّةٍ أَكثر من تلكَ الَّتي قبلها.


- «مجوهراتكِ، الآن!»


رفعتْ ليا يديها المرتعشتين إِلىٰ عنقها خالعةً القلادةَ من حوله، تلكَ القلادة الَّتي لَم تفارقها يومًا، أَمسكتها جيِّدًا في يدها اليمين محاولةً أَن لا تفلتْ منها. خلعتْ سوارها المُحبَّب لِـقلبها وَلا تزال يديها ترتعشان بِـحركةٍ لا إِراديَّة، رفعتْ يديها الَّتان تحملان مجوهراتُها البسيطة الغالية علىٰ قلبها بِـاتِّجاهُه وَهي آملةٌ أَنَّ هذا كُلُّ ما يريده منها.


نظرَ نظرةً سريعةً لِـما بينَ يديها. أَخذَ سوارها متفحِّصًا إِياه إِذ بِه يجد مكانًا قابلًا لِلفتح في سوارها، فتحهُ بِـرفقٍ إِذ بِه يجدهُ مملوء بِـنبات الفرفين! لا يمكنهُ فعلُ شيءٍ حيالها، ليسَ هو من يؤذي بشري بِـدون سبب. أَقفلهُ كَـما كان عليهِ معيدًا إِياهُ إِليها هامسًا بِـهدوءٍ وَثقةٍ.


- «صحيحٌ إِنَّني فاجئتكِ وَأَخفتكِ وَلكن لا أَنوي أَيَّ ضرَّر لكِ أَو لِـغيركِ، إِتبعيني كي أُخرجكِ من هذهِ الغابة.»


بقيَّتْ تلكَ مصدومةً في مكانها، بِـالكاد تَقف بعدَ هذه الصدماتِ! قدميها ترتعشان بِـشدَّةٍ بِـالكاد تحملانِها، وَكَـما أَنَّ لِـكُلِّ شيءٍ حدود إِنتهت حدود مقاومة أَقدامها إِذ بِـها تنهار أَرضًا.


نظرَ تجاهها نظرة حيرة، جلسَ أَمامها لِـيُعيد مقتنياتِها قائلًا بِـنبرةٍ باردةٍ إِلا أَنَّها قد حرَّكتْ الكثير في جوف الَّتي تجلسُ أَمامهُ بِـانهيارٍ.


- «اِرتدي مجوهراتكِ، أَنا لستُ بِـلصٍّ وَلَن يحصل لكِ أَيُّ شيءٍ. لكِ وعدي في هذا، لكن بعدَ أَنْ أُخرجكِ يستحسن أَلّا تعودي لِـهذا الجزء من الغابةِ.»


نظرتْ ليا تجاهَه قائلةً بِـصدمةٍ وَخوفٍ لا يُهمُّها إِخافائهما.


- «ما أَنتَ؟ عيناكَ وَأَنيابكَ!»


نَظر بينَما يحاول كبحَ رغبتهِ بِـالضحكِ علىٰ شكلها، شكلها مضحكٌ بِـالنسبةِ له إِلا أَنَّهُ لَم يشَأ أَنْ يهينها بِـالضحكِ فَـهو لا يعني أَيَّ إِهانةٍ في ذلكَ. استقامَ بِـوقوفهِ مادًّا يدهُ لَها بِغيَةَ مساعدتها في الوقوفِ إِلا أَنَّها قد أَبتْ وضع يدها في يده، لَم يستطع كبح ابتسامتهِ إِذ بِه يُحرِرُها قائلًا لَها بِـنبرةٍ هادئةٍ قد خالطتْ اللطفَ.


- «لا بأس، لَن أُسبِّبَ أَذيَّةً لكِ. لَـقد وعدتُكِ بِـهذا.»


نبرته وَكلماته قد وضعت القليل من الاطمئنان في قلبِ ليا إِلا أَنَّها لَم تَكُن كافيةً أَنْ تجعلها تضعَ يدها في يده، نهضتْ بِـمفردها واضِعةً مجوهراتِها البسيطةُ في جيبها لِأَنَّ يَديها لا تُساعدان علىٰ ارتداءها. لَم تَتَفوَّه بِـحرفٍ واحدٍ كَـما لو أَنَّها قد فقدتْ القُدرةُ علىٰ الكلامِ، وَهذا ما جَعَل الَّذي أَمامها يَستلطِفُها قليلًا.


سارَتْ بِـهدوءٍ بالغٍ بينَما عقلها يُطالبُ بِـالسؤالِ وَخوفها يعيقُها، قد كان فضولها قويٌّ جِدًّا إِلا أَنَّ خوفها كان أَقوى بِـكثيرٍ. قرَّرتْ الاستسلام لِـخوفها فَـهو أَكثرُ أَمنٍ من الاعتماد علىٰ وعدِ الَّذي يسيرُ أَمامها. بَعدَ وقتٍ ليسَ بِـقصيرٍ وصلتْ لِـمكانٍ تألفهُ لكنَّ قولُ هذا لهُ قد باتَ صعبًا، أَو الأَصح أَنَّ قولُ أَيُّ شيءٍ قد باتَ صعبًا.


وصلا إِلىٰ نِهايَةِ الغابةِ من ناحيَّةِ الطريقِ السريعِ ذا الرقمِ سبعةٍ، نظرتْ ليا لَهُ لِلمرَّةِ الأُولىٰ منذ أَنْ كانتْ جالسةً علىٰ الأَرضِ بينَما الفضول لديها كبيرٌ حولَ كيفَ لهُ أَنْ يعلمَ وجهتها. كانتْ سَتكتفي بالصمتِ لولا أَنَّهُ تكلَّم قائلًا بِـهدوءٍ قد باتَ غريبًا.


- «تعلمين إِنَّني لا أَقرأُ العقول، صحيح؟ إِنْ كان لديكِ سؤال فَـأَرىٰ من الأَفضلِ أَنْ تسأَلي.»


رمشتْ عدَّةُ مراتٍ بِـسرعةٍ بالغةٍ محاولةً الاستيعاب أَنَّ فضولها واضحٌ لِـهذا الحدِّ، تحمحمَتْ استعدادًا لِلكلامِ لِـتقولَ بِـصوتٍ يكادُ أَنْ يسمع.


- «كيفَ علمتَ عن موقعِ سكني الحاليِّ؟» ما أَن أَنهتْ سؤالها نمتْ ابتسامةٌ صغيرةٌ كَـما لو أَنَّ الابتسامةَ تقول أَنَّ هذا ما كان يتوقعه، قالَ بِـذاتِ طبقةِ الصوتِ.


- «إِنَّ تعبكِ يقولُ أَنَّكِ سِرتِ مسافةً بعيدةً قليلًا، وَاتجاهُ سيرُكِ يوَّضحُ من أَيِّ جَانبٍ أَتيتِ، أَما ما جزمَ ليَّ إِنَّنا في الطريقِ الصحيحِ هو عدمُ اعتراضُكِ علىٰ الطريقِ.»


ظهرتْ ملامحُ الإِعجابِ علىٰ محياها لِـتقولَ بِـشيءٍ من الذهولِ.


- «حسنًا، فهمتُ الآن، أَشكركَ علىٰ إِيصالي. لَم تُجِبني علىٰ سؤالي الَّذي طرحتهُ عليكَ في الغابةِ.» وجَّهَ أَنظاره إِلىٰ عينيها مباشرةً لِـينطقَ الحروفَ بِـثقةٍ.


- «مصَّاص دماءٍ.»


كادَ عقلها أَنْ يسخر ممّا سمعتْ إِلا أَنَّها قد تذكَّرتْ شكلَ عينيه لِـتتقبَّلَ كلامَهُ من دونِ سخريَّةٍ وَلكن من دونِ تصديقٍ أَيضًا، عمَّ الهدوء إلا أَنَّهُ قال بِـشيءٍ من النصحِ.


- «نصيحةٌ لكِ، في حالِ لو قابلتِ شخصًا مشابهٌ ليَّ وَأَمركِ كَـما فعلتُ قبلَ طلب مجوهراتُكِ يجب أَن تماشيه كَـما لو أَنَّكِ منوَّمَةٌ مغناطيسيًا من قِبله. وَأَيضًا لا تخلعي سواركِ أَبدًا، إِنَّهُ حِصنٌ يحميكِ.»


قبل أَنْ يُطرَح سؤال آخر قادتهُ أَقدامهُ مبتعدًا عنها، بعد شُرودها لِـثوانٍ معدودةٍ في الأَرض رفعتْ رأسها إِذ بِـها تدركُ إِختفاؤه. كان هذا غريبًا لَها فَـكيفَ يعقلُ أَنْ يختفي بِـهذا الشكلِ! أَكملتْ طريقها بِـمفردها تجاه منزل عائلة باركر آملةً أَنَّ كُلَّ هذا مجرد حلمٍ طويلٍ مزعجٍ.


كان الآخر يتبع خطواتها علىٰ بعد مسافةٍ من دون إِصدارِ صوتٍ أَو إِزعاجٍ، لَم يُبرح إِتباعها إلىٰ أَنْ وصلتْ إِلىٰ المنزل. أَخذ نظرةً علىٰ المكانِ بِـعنايةٍ حافظًا إِياه بِـكُلِّ تفاصيله لِـينسحب بعدها عائدًا لِلغابةِ.



يُتبع...




By: šhîžô ķăťôöb.


 
 
 

تعليقات


© 2024 by Shizo Katoob. Powered and secured by Wix

bottom of page