الفَصلُ الثانِي: بِدايَةُ الانقِلابِ.
- Šhîžô Ķăťôöb
- 25 فبراير 2024
- 9 دقيقة قراءة

الفَصلُ الثانِي: بِدايَةُ الانقِلابِ
الحادي عشر من فبراير، عامُ أَلفان وَإِثنان وَعشرون، السادسةُ مساءً. تكساس - لوفكين.
علَّقتُ المفتاح بِـأَحَّدِ حلقاتِ الجانبِ الأَيمن من الجينز بعد أَنْ أَقفلتُ باب شقَّتيَّ الصغيرَةُ، أَخذتُ طريقيَّ لِـخارج المبنىٰ لِـتعانقني موجةُ بردٍ شديدَةٍ جعلتني أُقرِّبُ أَطراف السترة لِـبعضها البعض ضاغطةً بِـواسطتها علىٰ جذعيَّ لِـجلب الدفءِ لهُ.
مضتْ أَربعُ أَيامٍ وَلا يزالُ عقليَّ عالق في الغابةِ وَمَن قابلتُه بِـها، لا يزال جزء منّي يرفض تقبل حقيقة وجود كائنات غيّر البشر، بِـالأَحرىٰ كائِنات أُسطوريَّة! تعمقتُ بِـالبحثِ عن الأَمرِ وَتوصلتُ لِأَشخاصٍ مختصين بِـقتلهم وَإِلىٰ آخرهِ وَلكن عقليَّ لا يزال يرفض، التفكيرُ بِـالأَمرِ يدهورُ تنفسيَّ.
أَخذتُ أَسلكُ طريقيَّ تجاه المطعم المعتاد، بعض الأَشخاصِ لا يحبِّذونه كونه مطعمٌ شعبيٌّ يشمِلُ مسقًا داخلهُ بينما الأَغلبُ يزورونه بِـكثرةٍ، أَما أَنا فَـلَما كُنتُ سَـأَزور مكان مثله لو لَم أَكُن أَعملُ بهِ بِـشكلٍ متقطِّعٍ بين حين لِآخر لِـكسبِ مالٍ إِضافيٍّ.
الطقسُ أَخذ يشتدُّ برودةً لِـكون الشَّمس قد غابت بِـالكاملِ مِمّا جعلني أُسرعُ بِـخطواتي تجاهَه، ما كنتُ سَـأَخرج في طقسٍ باردٍ كَـهذا لو لَم يكُن قريبًا من مكانِ سكني. لا توجد زحمةٌ وَهذا متوقع في ليالي نوفمبر، وقفتُ لِـثوانٍ أُحدقُ بِـاللافتةِ الضوئيَّةِ ذاتُ عبارة طعام سريع وَكحول. لَـطالما كرهتُ هذا الإِسم الغبي، أَلَم يجدوا أَيَّ إِسمٍ عوضًا عنهُ؟
كنتُ علىٰ وشكِ دفعِ الباب لِلدخولِ إِلّا أَنَّ مجموعةَ مراهقين قد دفعوا الباب بِـالفعلِ لِأَتزامنَ معهم في الدخولِ، ما جعلني أَدخلُ من الباب الرئيسيّ عوضًا عن الباب الخلفي المخصَّص لِلعمّالِ هو كسلي أَن أَلتفَّ من الخلفِ، أَو علىٰ الأَقل هذا ما أَقولهُ في العادةِ.
ما أَنْ صرتُ داخل المطعمِ عانقني دِفءٌ جعلَ بشرتي تنكمشُ قليلًا، شعور الهواء وَهو يلامسُ جلدي البارد كَـلفحاتٍ بسيطةٍ بِـفعلِ فارقِ الحرارة بينِي وَبينَ المكان.
أَخذتُ أَسيرُ تجاهَ المسقىٰ لِأَنَّ عملي اليوم يقتِصرُ عليه، لَـطالما كرهته. رغمَ كلِّ مساوِئ استنشاقِ رائحة الكحول لِـوقتٍ طويلٍ إِلّا أَنَّني أُحبِّذها قليلًا علىٰ الأَشخاص الَّذينَ يجلِسونَ علىٰ المسقىٰ. وَزملاءُ العمل، بِـالكادِ أُطيقهم، جميعهم ليسوا من نوعٍ الأَشخاصِ الَّذين يرغب قلبي بِـتكوينِ صداقة معهم. أَلقيتُ تحيَّةً مُبتذلةً موجزةً بِـقوليَّ «مساءُ الخيرِ.» وَكَـما هي العادة، لا ردّ من أَيِّ شخصٍ.
علَّقتُ سترتِيَّ آخذتًا المئزر المخصَّص ليَّ عوضًا عنها لِأُسارع ارتداءَه، أَكرهه بِـشدَّةٍ تحديدًا مع وجود الإِسم الغبيّ عليه بِـاللون الأَحمر. وقفتُ خلفَ طاولةُ المسقىٰ آخذةً نفسًا عميقًا، ينتابُني شعورٌ غريبٌ حيالَ اليوم وَهذهِ اللّيلة تحديدًا.
نظرةٌ خاطفةٌ سريعةٌ علىٰ المكانِ وَمَن داخله، وجوه مجهولةٌ وَأُخرىٰ قد إِعتدتُ رؤيتها هنا، أَشخاصٌ قد بدتْ عليهم ملامح اللطفِ واضحةً بِـشدَّةٍ وَآخرينَ قد ظهر عليهم المُعاكسةُ تمامًا.
اجتماع مُختَلَفِ الأَنواع هنا مزعج وَمريب وَجميل بِـذاتِ الوقتِ، يوجد من يدرس وَيوجد مَن حضر مِن أَجلِ أَنْ يستمتع بِـوقته مع أَصدقاء له وَيوجد الوحيدون الَّذين عند المسقىٰ في أَغلبِ الأَحيان، هذا هو الجانب الإِيجابي، قريبةٌ بِـعملي مِمَّن هم أَقربُ ليَّ حالًا.
أَخرجني من شروديَّ وسطَ أَفكاري صوتُ زبون يقولُ «تاكيلا بِـالليمون.» رغبتيَّ بِـالنظر لا تفارقُ الباب، إِلّا أَنَّني أَبعدتها بِـصعوبةٍ، شعور غريب كَـما لو أَنَّني علىٰ عتباتِ شيءٍ جديدٍ في حياتي، كَـما لو أَنَّ الأُمور سَـتتغيَّر.
باشرتُ إِعداد طلب الزبون بِـالسرعةِ المعتادة، في دقائق معدودة أَكملتُهُ لِأُقدِّمه له قائِلةً لهُ «بِـالهناءِ.» كَـشيءٍ من المجاملةِ البسيطة الَّتِي يتطلبها عملي لِـجعلِ الزبائن يرتادون المكان أَكثر. عاد نظري لِلباب كَـما لو أَنَّ عملي الوحيد مراقبته، حالات شروديَّ بِـإِزديادٍ مؤخرًا وَلا أَعلَّمُ ما هو الحلُّ الأَنسب لَـها.
توالوا الزبائن وَتوالتْ الطلبات وَأَنا لا أَزالُ أَختلسُ النظرات لِلمدخل الرئيسيّ بين حين لِآخر، وَفي حين كنتُ أُعِدُّ طلب أَحّد الزبائن رنَّ جرسُ عقليَّ مطالبًا إِيّايَ بِـالنظرِ تجاه المدخل الرئيسيّ كَـما لو أَنَّ الأَمر مسألةُ حياة أَو موت.
وجهتُ نظري صوبَ المدخل الرئيسيّ إِذ بيَّ أَرىٰ رجلانِ يدخلانِ، أَحَّدهما بِـمعطفٍ أَسودٍ وَالآخر ذا معطفٍ كُحليِّ اللونِ. كِليهما طويلا القامةِ نسبيَّا وَمن ذوي شعر داكن وَعيونٍ عسليةٍ، كَـما لو أَنَّهُما إِخوة! لِلوهلةِ الأَولىٰ ظننتُ أَنَّني قد رأيتهما مسبقًا إِلىٰ أَنْ تذكرتُ فتىٰ الغابة، أَو علىٰ الأَقل هذا ما اِعتاد عقليَّ أَنْ يطلقَ عليه.
أَخذتْ نبضاتي اِرتفاعًا بينما أَنفاسيَّ تتسارع، أَشعر أَنَّ الهواء ينعدم من حوليَّ. أَفقتُ علىٰ صوتِ تحطُّم الزجاج، أَوقعتُ الكأس الزجاجي وَزجاجة بوربن، سحقًا، حظيَّ عثرٌ، يجب أَن أُعوِّض المبلغ من دخليَّ الزهيد. صدح ذلك الصوت المألوف من خلفيَّ، صوتُ جيمس.
- «ليا لينسون، متىٰ سَـتصبحينَ كَـشخصٍ طبيعيٍّ؟» انتقل نظريَّ لهُ، إِنَّهُ مِن ذوي البشرةِ السمراء وَالشعر الأَجعد بِـشكلٍ ملحوظٍ. كلامه كان ذا طابعٍ هادِئٍ وَهذهِ هي عادته المعتادةُ. أَعلنتُ ردِّيَّ بِـهدوءٍ مطابقٍ لِـخاصته.
- «لا أَعتقدُ أَنَّكَ سَـتشهد زمنًا أَكونُ بهِ طبيعيَّة.» نظر ليَّ بِـهدوئه المعتاد لِـيتكلَّم متأخِّرًا كَـما لو أَنَّهُ قد نسِيَّ أَنْ يتكلَّم.
- «يمكِنُكِ الانصرافُ، سَـأَتكفَّل أَمر ما حصل. تبدينَ بِـحاجةٍ ماسَّةٍ لِلراحةِ.»
نَمتْ ابتسامة واضحة علىٰ وجهي لِأَقولَ بِـشيءٍ من الشكرِ.
- «أَشكركَ بِـشدَّةٍ علىٰ هذا الصنيعِ، لَن أَنساه لَكَ!» ما أَن أَنهيتُ كلاميَّ إِذ بهِ يعلنُ مع ابتسامةٍ قد نَمتْ مؤخرًا علىٰ وجهه.
- «لا داعٍ لِـكُلِّ هذا، لكن يستحسن أَنْ تغادري من البابِ الخلفي. فَـقد بدأَ تومسون ينزعِج من أَمرِ استخدامكِ لِلباب الرئيسيِّ عوضًا عن البابِ الخلفي.»
نظرتُ لهُ قليلًا لِـيليها إِمائِيَّ بِـالاستجابَةِ، تخطيتُه بِـاتجاه الخزائن معيدَةً المئزر لِـمكانهِ مستعيدةً سترتيَّ. نظرتُ مجدّدًا تجاه الرجلانِ اللَذانِ دخلا مؤخرًا وَما أَنْ أَصبح نظريَّ بِـاتجاههما إِذ بِـذا المعطفِ الأَسودِ ينظر بِـاتجاهيَّ، نظراتهُ لَم تَكُن عاديَّةً، لَم أَفهمها بِـالضبطِ وَلا أَعتقدُ بِـأَنَّني قادرة علىٰ فِهمها إِطلاقًا!
نظراتهُ كَـما لو أَنَّهُ يتفحص ما هو أَعمقُ من شكليَّ، كَـما لو أَنَّهُ يتفحص جزءًا دفينًا منّي لا يستطيعُ غيرهُ أَنْ يميِّزهُ. نظراتهُ بَثَّتْ الرعب في نفسي، لَم أَتردَّد ثانيةً واحدةً في تفكيرٍ ثانٍ حيث كُلُّ ما يأمرُنِي بهِ عقليَّ هو مغادرةُ المكانِ علىٰ الفورِ! وَكَـما هي عادتي، انصياع تام لِـعقليَّ.
شارَعتُ بِـالسيرِ تجاه الباب الخلفيِّ من دونِ تفكيرٍ ثانٍ أَو محاولة في النظرِ لِلخلفِ، لَـطالما كُنتْ جيِّدةً في هذا. توقفتُ أَلتقطُ أَنفاسيَّ لاهِثةً ما أَنْ خرجتْ كَـما لو كُنتْ في سباقِ أَلفِ ميلٍ، يبدو أَنَّ حظيَّ قد تحسَّنَ، برودةُ الطقسِ تساعِدُ علىٰ الهدوءِ.
لكن حقًّا ما هو خطبيَّ! منذ متىٰ وَأَنا أَخافُ من نظراتٍ؟ ما الَّذي يحصل معي! أَعتقد بِـأَنَّني بِـحاجةٍ لِـعلاجٍ نفسيٍّ بِـأَقربِ وقتٍ!
رفعتُ نظري لِلسماءِ، غيوم متقطِّعة قد زيَّنتها، شكلها جميل. أَعدتُ ناظري لِـما هو أَمامي إِذ بيَّ أَصعق بِـرؤيةِ ذا المعطفِ الكُحليِّ، ما أَنْ استدرتُ إِذ بِـنظري يلاقي ما هو أَسوء، ذا المعطفِ الأَسودِ! بِـحركةٍ تلقائيَّةٍ منّي قد رفعتُ يدايَ قربَ صدريَّ أَجهلُ حتىٰ سببها!
بدأتُ بِـأَخذِ أَنفاسًا عميقةً كَـما لو أَنْ لا هواءَ حوليَّ، بدأ نظري يخالطهُ بعضَ الأغباشِ وَثقل بسيط قد عانق جسديَّ من كُلِّ الأَنحاءِ. لكن رغم كُلِّ هذا استطعتُ أَنْ أُميَّز ابتسامة قد ظهرتْ علىٰ وجه ذا المعطفِ الأَسودِ، ما الَّذي يحصلُ ليَّ؟
بدأتْ أَقدامي تخذلني معلنة عن إِسقاطيَّ أَرضًا، برودةً غريبةً قد لامستْ جسديَّ، ليسَتْ برودةً عاديَّةً، ليسَتْ برودةُ الطقسِ من حوليَّ، ليسَتْ برودةُ الخوفِ وَلا الصدمةِ، برودةٌ لا أَستطيعُ فهم جزءٍ صَغيرٍ منها!
وَكَـشيءٍ تلقائيٍّ آخر سقطتْ يدايَ من مقامها قربَ صدريَّ لِـتصطدم بِـالأَرضِ الباردةِ، زادَ وضعُ أَنفاسيَّ سوءًا عمَّا كان عليهِ، شعورٌ يقول أَنَّ نهايتي قد شارفتْ وَشعور آخر يقولُ ما هو معاكس لِـهذا، الأُمور بدأتْ بِـالاختلاطِ بِـشدَّةٍ وَعقليَّ بدأ يتضاربُ إِلىٰ أَنْ سمعتُ صوتًا يكادُ أَنْ يكونً مألوفًا لِأُذنايَّ، لا أَستطيعُ أَنْ أُميَّزه؛ لكنه ليسَ بِـصوتٍ جديدٍ بِـالنسبةِ ليَّ.
- «الإِخوة جينيفير، متىٰ سَـتتوقفانِ عن إِزعاجِ البشر؟»
كانتْ نبرةٌ قد احتوتْ هدوءًا ليسَ بِـجديدٍ عليَّ. تكلَّمَ الَّذي أَماميَّ -ذا المعطفِ الأَسودِ-
- «سيبينسر، متىٰ سَـتتوقف عن كونكَ محامي الدفاعِ عن البشر؟» كانتْ نبرتهُ مستهزِئةً بِـشكلِ واضحٍ، ليتني أَرىٰ بِـذاتِ وضوحِ سمعيَّ، وَعلىٰ ذكر السمعِ ها هو الصوتُ المألوف يصدحُ مجدَّدًا في مسامعيَّ بِـهدوئهِ المألوفِ.
- «عندما تنقضي حياتي رُبَّما، مهلًا لحظة! أَنا من العوائل الرئيسيَّةِ. لستَ مضحكًا جايكوب، محاولةٌ أَفضل بِـالمرَّةِ القادمةِ. نصيحةٍ لَكُما، أُهرُبا ما دام الهربُ سبيلًا فَـلَم أَقتل أَيَّ مصاصِ دماءٍ منذُ أُسبوعٍ!»
إِنَّهُ، إِنَّهُ فتىٰ الغابةِ! ما الَّذي يفعلهُ هنا! أَوَّدُ الالتفاتَ لِأَرىٰ ما إِذا كنتُ محقَّة لكن لا يوجدُ أَيُّ شيءٍ يدعَمُ هذا. رغمَ عدمِ وضوحِ نظريَّ إِلا أَنَّني قد لمحتُ ذا المعطفِ الأَسودِ يسيرُ بِـاتجاهيَّ أَو الأَصَّحُ بِـاتجاه ما هو خلفيَّ. أَنفاسيَّ باتَتْ تسوءُ أَكثر فَـأَكثر، منذ متىٰ وَأَنا هكذا!
صوتُ خطواتٍ متعدِّدةٍ بِـاتجاهٍ بعيد، هل هذا يعني بِـأَنَّهُ قد غادرَ معهما؟ لامستْ عنقيَّ أَصابِع باردة جدًّا جعلتْ جسديَّ ينتفضُ بِـالكامِلِ! أَخذتُ شهيقًا عميقًا بِـفعلِ فزعيَّ من تلكَ اللمسة المفاجِئة. ابتعدتْ يدهُ عنّي بعد ثوانٍ قليلةٍ لِأَسمع صوتهُ قائلًا:
- «ما الَّذي جاءَ بكِ إلىٰ هنا؟ أَلستِ تسكنينَ خارج لوفكين؟ ما الَّذي تفعلينهُ وسطَ لوفكين في هذا الوقت وَالطقسِ؟»
تعالتْ نبضاتيَّ أَكثر من ذي قبلٍ، ما توقعته صحيح! إِنَّهُ هو ذاتهُ! شهيقيَّ وَزفيريَّ متتاليانِ بِـشكلٍ منتظم وَسريعٍ بِـطريقةٍ مبالغ بِـها. كيفَ أَعود إِلىٰ طبيعتيَّ؟ يا إِلهي ما الَّذي حصل ليَّ، ما الَّذي دهانيَّ! مخارجُ الحروفِ صعبةٌ في وضعٍ كَـهذا، كيف ليَّ أَنْ أُجيبهُ؟
استدارَ لِـيصبح مقابلًا ليَّ، جلس علىٰ الأرضَ أَماميَّ، بِـالكادِ أُميِّزُ ملامحهُ. تحمحمَ لِـيقول:
- «لا بأس، حاولي الهدوء لا شيء مؤذٍ هنا. لَـقد رحلا من هنا وَلَن يعودا بِـأَيِّ وقتٍ قريبٍ. -وضعَ يدهُ أَسفلَ ذقنها رافعًا إِياهُ لِـتسهيل التنفُّسِ عليها- الآن حاولي تهدئةَ أَنفاسَكِ، علىٰ مهلٍ، أَبطئيها حتىٰ لو كنتِ بِـحاجةِ لِـسرعتها.»
بدأتُ أُبطِئُ أَنفاسيَّ كَـما قال ليَّ بِـشكلٍ تدريجيٍّ، أَشعرُ بِـانتظام فعليٍّ، نظريَّ بدأ يتحسَّنُ بِـشكلٍ تدريجيٍّ أَيضًا هو الآخر. بعد مضيِّ دقائق معدودة علىٰ هذا الحالِ أَبعدَ يدهُ بعدَ أَنْ انتظمتْ أَنفاسيَّ، لَم أَنتظر وقتًا طويلًا إِذ بيَّ أُشارعُ الحديثَ.
- «أَشكركَ علىٰ تخليصيَّ منهما، وَعلىٰ هذا، وَعلىٰ إِيصالي بِـالمرَّةِ السابقةِ. أَنا لا أَسكنُ هناك، كان شيئًا مؤقَّتًا، أَعملُ بِـأَحّدِ المنازل الَّتي هناكَ لا غيّر. أَسكن بِـالقربِ مِن هنا.»
ما أَنْ أَنهيتُ كلاميَّ شعرتُ بِـأَنَّني قد تكلَّمتُ أَكثَر من اللازم، أَشعر بِـالغباءِ! ظهرتْ ابتسامة بسيطة علىٰ شفتيه، ليتني متْتُ علىٰ أَيادي الإِخوةُ نسيتُ اسمهم. تحمحم لِـيقول بعد أَنْ أَزال تلك الابتسامة البسيطة.
- «حسنًا، يستحسن أَنْ لا تبقي هنا.» نبرته كانتْ لطيفة، فيها شيءٌ من الإِهتمامِ. أَوَّدُ أَنْ أُقدِّمَ شيئًا لهُ كَـشكرٍ لكن لا أَعلم كيفَ، تحمحمتُ استعدادًا لِلكلامِ قائلةً بِـدفعةٍ واحدةٍ.
- «هل بِـإِمكانيَّ أَنْ أَدعوَّكَ لِـشربِ شيءٍ؟ -تحوَّلتْ نظراته لِلدهشةِ لِـتستعيد ليا زمامَ الأُمور بِـقولها- كَـعربونِ شكرٍ لِأَنَّها ليسَتْ المرَّةُ الأُولىٰ الَّتي تساعدني بِـها.» نظرتُ متفحِّصةً لِـملامحهِ لأَِرصدَ ابتسامة صغيرة يليها قولهُ بِـإِستسلامٍ.
- «حسنًا، لا ضرر من شربِ شيءٍ.»
ظهرت ابتسامة علىٰ وجهيَّ، إِنَّهُ لطيفٌ بِـشكلٍ غريبٍ. أَخذتُ يومان كَي استوعب أَنَّ مصاصي الدّماء حقيقة، لا أَزالُ في حالةِ عدمِ تصديقٍ رغمَ استيعابيَّ.
تقدَّمَ لِلمكان الَّذي خلفيَّ لِأَستدير متضامنةً معهُ سائرانِ بِـجانبِ المطعمِ بغية الوصول لِلمدخلِ الرئيسيِّ، دخلنا معًا لِـتتوجه بعضُ الأَنظارِ تجاهنا، لا يهمُّ علىٰ كُلِّ حالٍ. جلسنا علىٰ إِحدىٰ الطاولاتِ وَهذا ما لَم أَتوقَّعهُ منهُ، توقعتُ أَنْ يفضِّل المسقىٰ كَـسائِر الأَشخاصِ في العادةِ.
أَقبلَتْ أَندِريا تجاهنا لِأَخذِ طلب الطاولةِ، كيفَ ليَّ أَنْ أَنجو من أَفكارِها وَكلامِها الآن؟ لَـطالما كانتْ أَندِريا من النوعِ اللحوحِ بِـالأَسئلةِ وَلَن تتوقَّف حتىٰ تحصلٌ علىٰ أَجوبة لِأَسئلتها، رغم أَنَّنا لسنا بِـصديقتين إِلّا أَنَّني أَعلم جيِّدًا أَنَّها لَن تكفَّ عن طرحِ الأَسئلة قبل أَنْ تُشبِعَ فضولها. وَها هي ذي ترمقني بِـنظرةٍ استفزازيَّةٍ مع غمزةٍ، يبدو أَنَّ الأَوضاع سَـتكون أَسوء ممّا في عقليَّ.
سجَّلتْ طلب فتىٰ الغابةِ الَّذي أَدركتُ الآن أَنَّني لا أَعرفُ اسمهُ حتىٰ الآن المتمثل بِـقهوةٍ ساخنةٍ، غريب! يا ترىٰ ما هي الأَشياءُ الأُخرىٰ الَّتي سَـأُصدمُ بِـها حولهُ؟ أَتوقَّع أَنَّها سَـتكونُ كثيرةً. أَما طلبيَّ كان عبارة عن عصيرِ ليمونٍ، لَـطالما أَحبَبتُ العصائرَ.
نظر ليَّ ما أَنْ غادرتْ أَندِريا لِـيقولَ هامسًا.
- «لا تقولي أَنَّها صديقةٌ لَكِ، إِنْ كانتْ كَـذلكَ سَـتمرينَ بِـاستجوابٍ عنيفٍ.» تزامنَ رفعُ حاجبيهِ وَإِنزالُ نظرَهُ مع نهايةِ كلامهِ، كلامه جعلني ابتسم كابحةً الضحك. ما أَنْ تخطيتُ أَزمةَ الضحكِ قلتُ بِـتململٍ واضحٍ.
- «ليسَتْ كَـذلكَ، لكن هذا لا يقيني من أَسئلتها اللا نهائيَّةُ. عندما يكون لديها فضول تجاه شيءٍ محدَّدٍ لا يصدُّهُ أَو يردُّهُ أَيَّ شيءٍ في الكوكبِ عدا الأَجوبةِ، هذه عادتها المعتادةُ، رغم هذا هي إِنسانةٌ جيِّدةٌ.»
كانتْ أَنظاره تتنقَّلُ بِـتعاقبٍ بيني وَبينَ الطاولةِ، يبدو شارد الذهنِ قليلًا وَهذا متوقع. جزءٌ من عقليَّ لا يزالُ يرىٰ كلامهُ عن أَنَّهُ مصاص دماءٍ مجرد جنون لا معنىٰ لهُ، وَمن الناحيَّةِ الأُخرىٰ ما تفسيرُ عينيهِ وَسرعتهِ؟ لا يوجد مفسر غيّر أَنَّهُ ليسَ بشري، عقلي بِـحالِ تلخبطٍ شديدٍ لا أَعلمُ كيفَ أُنهيهِ.
رفعَ رأسهُ بِـطريقةٍ توَّضح أَنَّ هناكَ خطبٌ ما، أَدارَ جذعهُ ناظرًا خلفهُ بِـاتجاه الباب. دخلَتْ فتاة ذاتَ شعر أَصهب وَنمشٍ كثيرٍ، أَعاد نظرهُ ليَّ. أَخرجَ شيئًا من جيبه، علبةٌ ما مع قدّاحة، رفعَ غطاء العلبة كاشِفًا عن عشبةٍ ما، أَشعلها قائلًا بينما انكمشتْ ملامحهُ بِـالكاملِ.
- «رأيتُ أَنواعًا عديدةً من ذوي الحظِ العثرِ لكن لَم أَرَ شخصًا بِـمثلِ حظَّكِ إِطلاقًا، وَقد فاتَ الأَوانُ علىٰ ابتعاديَّ عن الطاولةِ لِأَنَّني مدركٌ أَنَّها تعرَّفتْ علىٰ رائِحتيَّ. إِنَّها مجنونةٌ، قد تقتلكِ بِـدمٍّ باردٍ فقط لِأَنَّكِ تشاركيني الطاولةِ. إِنَّها معجبةٌ مجنونَةٌ لا غيّر.»
نظرتُ له بِـصدمةٍ، إِنَّهُ يكلمني كَـما لو أَنَّني من معارفٍ لهُ! وَربَّما هذا هو طبعهُ. تكلَّمتُ بِشيءٍ من موافقةِ الرأيِّ.
- «أَتَّفق بِـكلامكَ عن حظيَّ، إِنَّهُ وافِرٌ بِـشدَّةٍ. الآن ما يدورُ في عقليَّ ما هذهِ العُشبة؟»
نظر تجاهها قائلًا بِـشيءٍ من الشرودِ.
- «عشبةُ خصوصيَّةُ، ما دمتُ أُشعِلُها لا تستطيع سماع ما يدورُ بيننا من حديث، سمع مصاصي الدِّماء خارقٌ وَهذه الشيءُ الوحيد الَّذي يصدهُ.»
حرَّكتُ رأسيَّ بِـتقبُّلٍ، مهلًا مهلًا! تكلَّمتُ علىٰ عجلٍ.
- «مهلًا، هي لَم تسمع شيءٍ من كلامنا، وَأَنتَ قد بيَّنتَ ليَّ كم أَنَّ حظيَّ عثرٌ. الآن دعنيَ أُريكَ دهاءَ عقليَّ، سايرني بِـالكلامِ بِـذاتِ الحدَّةِ وَقابلني غدًا خلفَ المطعمِ في الساعةِ الثانيةِ ظهرًا.»
استقمتُ بينما أُظهرُ ملامحَ الغضبِ علىٰ وجهيَّ، سحبتُ العلبةَ وَالغطاءَ، أغلقتُها ممّا أَدىٰ إِلىٰ انطفائُها. تكلَّمتُ بِـعنفٍ وَحدَّةٍ شديدينِ.
- «أَكرهُكَ، لا أُريدُ رؤيتُكَ في أَيِّ مكانٍ أَو زمانٍ، أُريدُ أَنْ تغادرَ حياتيَّ بِـالكاملِ، لا أُطيقُ الخونةِ. -كانتْ بِـالفعلِ قد وصلتْ الصهباء لِـقربهما، وجَّهتْ ليا أَنظارها لَـها مُردِفةً- هنيئًا لكِ، لكنَّهُ خائِن.»
كانتْ نظراتُ الصهباء متفحصَّةً إيايَّ من كُلِّ جانبٍ بينما ابتسامة قد زيَّنتْ وجهها، كي أَكونَ صريحةً مع نفسيَّ، إِنَّها جميلةٌ بِـحقٍّ. غادرتُ الطاولةَ بينما أُحاول السيطرة علىٰ نفسيَّ بِـذاتِ الأَداءِ، لا أَوَّدُ إِفساد مخططيَّ الصغيرُ.
لديَّ فضولٌ عارمٌ، أَوَّدُ معرفةَ ردَّ فعله علىٰ هذا الأَمرِ! إِنَّهُ يأخذُ مكانًا في عقليَّ أَكبرُ من اللازِمِ، كيفَ سَـأُوقفُ هذا؟ من كانَ يتوقع أَنَّ معلومةً صغيرةً عن وجودِ كائناتٍ غيّر البشرِ سَـتقلبُ موازينَ عقليَّ وَمزاجيَّ؟
يا لَـها من حياة لا يمكنُ تخمينها أَو تخمين ما تحويه وَما تخبِّئُهُ بينَ ساعاتها وَأَيامها وَمواقِفها، أَشعرُ أَنَّني علىٰ أَعتابِ انقلابِ حياتيَّ، أَشعرُ أَنَّ كُلَّ شيءٍ ابتداءٌ من الآن سَـيتغيَّرُ، أَشعر أَنَّ حياتيَّ سَـتنقلب عمّا كانتْ عليه...
يُتبَع...
instagram: shizosnovels
By: šhîžô ķăťôöb.


تعليقات